محمد صفاء شيخ ابراهيم حقي
308
علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير
التقدم العلمي والحضاري ، وهو السر الذي دفع قوافل طلبة العلم التوجه إليها ، وكانت الثانية بعد بغداد ، وحين استكمل البدايات ، وتقدم في التحصيل ، وتضلّع من ينابيع البصرة العلمية ، وجه النظر إلى بغداد ، العاصمة العلمية ، فشد الرحال وودع الأهل لينضم إلى حلقات العلم هناك ، ولينتظم بها ، وما أن أخذ مكانه ، حتى انكبّ على الدرس والمطالعة في جو مفعم بالحركة والنشاط والحيوية ، وزاحم مئات الطلبة في مدينة تعجّ بأهل العلم ، علماء ومتعلمين ، في زمن كان لأهل العلم عامة والعلم الشرعي على الخصوص مكانتهم ومنزلتهم وتقديرهم الخاص ، حتى كان السلاطين والأمراء يتباهون بأصحاب العمائم في مجالسهم ، ويقربونهم ويغدقون عليهم العطايا والهبات ، وقلّما يردون أحكامهم . وظل الشيخ يتنقل في هذا الخضم الهائل من أهل العلم من عالم إلى آخر حتى حصل غايته ، ونال مبتغاه ، وتخرّج على أيدي ثلّة من أولئك المبرزين في علوم عديدة ، فقدّم للتدريس ، وقرر العودة إلى موطنه معلما بعد أن كان تركها طالب علم ، وتصدّر للتدريس هناك مدة ثم عاد الكرّة إلى بغداد ليستقر به المقام ، دون أن يغادره الشوق والحنين إلى مراتع الصبا ، وكانت المراسلات بينه وبين أحبته هناك تسد مسد الرؤية . بقي في بغداد مدرسا فقاضيا ثم أقضى القضاة ، وانكبّ على التأليف والتصنيف حتى اشتهر صيته وذاع اسمه ، وانتهت إليه رئاسة وإمامة